الثلاثاء، 29 أبريل، 2014


المعتزلة
بقلم: أحمد إبراهيم أحمد
ظهر الفكر المعتزلي كنتاج لانتشار الإسلام نهاية القرن الأول الهجري، ودخول شعوب غير عربية في الإسلام لها ثقافات وفلسفات مغايرة للسائد في ظرف حضاري تاريخي جديد، أصبح معه المنهج النقلي النصي التقليدي غير وافٍ بحاجات المسلمين العقلية والثقافية، التي كانت بحاجة لمنهج عقلي، فظهر الفكر المعتزلي الذي سيصير أهم المذاهب الكلامية.
أحدث المعتزلة جدلاً شديداً في مراحل كثيرة من التاريخ الإسلامي، واتهمهم معارضوهم من أهل السنة والجماعة (الحنابلة) أنهم قللوا من هيبة الشرع، ووضعوه في خصومة مع العقل، الذي وضعوه في موضع لا يرقي إليه، وحارب الحنابلة المعتزلة حرباً شرسة على كافة المستويات الشعبية والسلطوية؛ حتى جرى الظن أن أفكار المعتزلة الجريئة اختفت، وأنهم ذهبوا بلا رجعة، وأن جدلية العقل والنقل انتهت.
من هم المعتزلة؟
جاء اسم المعتزلة من اعتزال مؤسسها واصل بن عطاء الغزَال عن شيخه الحسن البصري في مجلسه العلمي بسبب الحكم على مرتكب الكبيرة، خلافاً على حكم الفاسق، وكان حُكم الحسن البصري أنه ليس بكافر الذي لم يرق واصل بن عطاء فقال: "هو في منزلة بين منزلتين." أي لا مؤمن ولا كافر، وقال أن الإيمان خصال خير إذا اجتمعت سُمى المرء مؤمناً وهو اسم مدح، أما الفاسق فلم يستجمع خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمناً، وليس بكافر مطلقاً لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالداً فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا فريقان واحد في الجنة، والآخر في السعير، لكن يخفف عنه العذاب وتكون درجته فوق درجة الكفار، ثم اعتزل واصل مجلس الحسن البصري، وكوّن لنفسه حلقة دراسية وفق قناعاته، ويقال أن لفظ المعتزلة منسوب للحسن البصري حين قال: "اعْتزِلنا واصل.".
والمعتزلة فرقة إسلامية سنية كلامية، يُعتقد أن أول ظهور لهم كان أواخر العصر الأموي بداية القرن الثاني الهجري (80 هـ- 131 هـ) في بصرة العراق، وازدهرت في العصر العباسي، وأعطى تأكيد المعتزلة على التوحيد والعدل الاجتماعي أهمية كبرى لهم لدى الناس في عصر كثرت فيه المظالم الاجتماعية، وتشبيه وتجسيم الذات الإلهية، ومن اسمائها: القدرية، والوعيدية، والعدلية، ومن أشهر المعتزلة الجاحظ، والخليفة المأمون الذي فرض القول بخلق القرآن وطلب من الجميع أن يقروا بذلك، واعتبر القول بقدم كلام  الذات الإلهية شركاً مضاداً للتوحيد؛ وحين تصدى أحمد بن حنبل لهذا القول، استُضعِف وسُجن، فلُقب بإمام أهل السنة والجماعة.
ارتكز الفكر المعتزلي على تقديم العقل على النقل، وأنّ العقل والفطرة قادران على تمييز الحلال والحرام تلقائياً، وتعتبر الأصول الخمسة قاسماً مشتركاً بين جميع فرقها، وانتشرت أفكار المعتزلة في البلدان الإسلامية كخراسان، وترمذ، واليمن، والجزيرة العربية، والكوفة، وأرمينيا إضافة لبغداد، ثم اندثر التراث المعتزلي لقرون بعد ارتداد الدولة عن مذهبهم إلا من كتابات أشارت لهم أو عارضتهم، حتى كُشف مصادفة قبل بضع عقود باليمن عن كتاب (المُغني في أبواب التوحيد والعدل) للقاضي عبد الجبار الذي يعد من أهم كتب الاعتزال، فأعاد الفكر المعتزلي لواجهة الفكر الإنساني.
أفكار المعتزلة:
بدأ المعتزلة فكرهم بمسألة (بين منزلتين) التي تطورت لمنظومة عقائد وأفكار في مقدمتها (الأصول الخمسة) التي لا يعد معتزلياً من لم يقل بها وهي:
1.      التوحيد:
ويعني إثبات وحدانية الله، ونفي المثال عنه، كنفي صفاته (وصفه المعتزلة بالـ"سلوب") فيقولون عن الله "لا جوهر ولا عرض، ولا طويل ولا عريض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة، ولا بذي حرارة ولا برودة." إلخ... أما الصفات الثبوتية (كالعلم والقدرة) فينفونها بحجة أن إثباتها إثبات لقدمها، وإثبات قدمها إثبات لقديم غير الله، فقالوا "ولو شَاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف، لشاركته في الألوهية." فكان التوحيد عندهم مقتضياً نفي الصفات ويعنون بذلك إثبات وحدانية الله ونفي المثال عنه، وقالوا أن صفاته هي عين ذاته فهو عالم بذاته قادر بذاته؛ لا بصفات زائدة عن الذات، وتنزيه الله تنزيهاً مطلقاً "ليس كمثله شيء" فلا تشبيه ولا تجسيم، وتنزيه الله أن يكون مثل الأجسام أو الموجودات الحسية، ونفي أي تشبيه بين المخلوقات والله، ولا يقبل المعتزلة الآيات التي تفيد التشبيه على ظاهرها بل يؤولونها مثل "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" فيخرجون المعنى الظاهر لكلمة (وجه) ويقولون أن المقصود بها الذات، وفسر المغرضون من مخالفيهم ذلك أنهم ينفون الصفات عن الله.
2.     العدل:
ويعنون به قياس أحكام الله سبحانه على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أموراً وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقاً لأفعال عباده، وأن جميع أفعال العباد (حركاتهم، وسكونهم في أقوالهم، وأفعالهم، وعقودهم) لم يخلقها الله عز وجل، وأن الخالق يفعل الأصلح لعباده وقالوا: "إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن خيراً وإن شراً." وقالوا أيضا أن العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسناً وما قبحه كان قبيحاً، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه.
قال الشهرستاني: "اتفقوا (أي المعتزلة) على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح والألطف ففي وجوبه عندهم خلاف، وسموا هذا النمط عدلاً.".
3.     المنزلة بين المنزلتين:
يوضح هذا الأصل حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري، إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمناً بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافراً بل هو في منزلة بين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصراً على فسقه كان كافراً، وينسب إلى الرواقيين التمييز بين الخير والشر حيث يقولون بأشياء خيرة وأخرى شريرة، وهناك ما بين البينين، وهي الفكرة التي تبناها المعتزلة بالقول بمنزلة بين منزلتين تأثراً بالرواقيين.
4.      إنفاذ الوعد والوعيد:
والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، فهم كفار خارجون عن الملة، خالدون في جهنم، يقول الشهرستاني: "واتفقوا - أي المعتزلة - على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط وعداً ووعيداً.".
5.      الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يوضح هذا الأصل موقف المعتزلة من مرتكبي الكبائر حكاماً كانوا أو محكومين، فهم يرون قتال الأئمة لمجرد فسوقهم، ويوجبون الخروج عليهم عند القدرة لإزالة المنكر وغلبة الظن بحصول الغلبة.
قال الأشعري في المقالات: "أجمعت المعتزلة -إلا الأصم- على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع الإمكان، والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك.".
 وللمعتزلة عقائد أخرى منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه مثل:
نفي رؤية الله عز وجل: أجمع المعتزلة أن الله لا يُرى بالأبصار في الدنيا ولا الآخرة، لأن في إثبات الرؤية إثبات جهة الله وهو منزه عن الجهة والمكان، وتأولوا قوله تعالى )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (أنها منتظرة.
القرآن مخلوق: قال المعتزلة أن القرآن مخلوق، وأن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.
نفي علو الله: تأولوا الاستواء في قوله تعالى: )الرحمن على العرش استوى( بالاستيلاء.
نفي شفاعة النبي  لأهل الكبائر من أمته: قال الإمام الأشعري في المقالات "واختلفوا في شفاعة رسول الله هل هي لأهل الكبائر، فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله."
نفي كرامات الأولياء: قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي.
فرق المعتزلة
بدأ المعتزلة فرقة واحدة ذات مسائل محدودة، ثم تعددت وزاد عدد فرقها، وتكاثرت مسائلها وتشعبت، فغدت فرقاً وأحزاباً، شذ بعضها عن أصول الاعتزال ومن هذه الفرق:
الواصلية:
هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال (أبى حذيفة) تلميذ الحسن البصري، وكان يقرأ عليه، ثم خالفه في مسألة مرتكب الكبيرة، حيث قال واصل أنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين، ففارقه.
الهذيلية:
اتباع أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاّف شيخ المعتزلة ومقدمهم، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، ومن قوله "إن حركات أهل الجنة والنار تنقطع، ويصيرون إلى سكون دائم، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار."
النظامية:
هم أتباع إبراهيم بن يسار بن هانئ النظّام الذي خلط كلام الفلاسفة بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل منها قوله أن الله لا يوصف بقدرة أنه يزيد في عذاب أهل النار، ولا يُنقص منه شيئاً، وكذلك لا يُنقص من نعيم أهل الجنة، ولا يخرج أحداً من أهل الجنة، وليس ذلك مقدوراً له.
الخابطية والحدثية:
أصحاب أحمد بن خابط وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة، ومن أقوالهما موافقة النصارى أن المسيح u يُحاسب الخلق في الآخرة، وقولهم أن الرؤية التي جاءت في الأحاديث، كقوله r "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فى رؤيته" هي رؤية العقل الأول؛ الذي هو أول مبدع؛ وهو العقل الفعّال الذي تفيض منه الصور على الموجودات، والذي يظهر يوم القيامة، وتُرفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كالقمر ليلة البدر فأما واهب العقل (الله) فلا يُرى.
البْشْرية:
هم أصحاب بشر بن المعتمر من علماء المعتزلة، قال عنه الذهبي "وكان ذكياً فطناً لم يؤتْ الهُدى، وطال عمره فما ارعوى." ومن أقواله "إن الله قادر على تعذيب الأطفال، وإذا فعل ذلك فهو ظالم.".
المردارية:
جماعة عيسى بن صبيح المُكنى بأبي موسى الملقب بالمردار، ويسمى راهب المعتزلة، من مفردات أقواله "إن الله يقدر أن يكذب ويظلم، ولو كذب وظلم، كان إلهاً كاذباً ظالماً تعالى الله." وقال "إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظماً وبلاغةً." وكان مبالغاً في القول بخلق القرآن، وتكفير من خالفه، وسأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعاً، فكفّرهم، فقال إبراهيم "الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟" فلم يحر جواباً.
الثمامية:
أتباع ثمامة بن أشرس النميري، وكان جامعاً بين التدين والخلاعة، وانفرد عن المعتزلة بمسائل منها قوله في الكفار والمشركين والمجوس واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية أنهم يصيرون في القيامة تراباً.
الهشامية:
أصحاب هشام بن عمرو الفوطي وكان مبالغاً في نفي القدر، يمتنع عن إضافة أفعال إلى الله وإن ورد بها تنزيل، كقوله "إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون باختيارهم." وقد ورد في التنزيل )ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم (وقوله "إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في قلوبهم" وقد قال تعالى )وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم (ومن أقواله: أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، وقال أن النبوة جزاء على عمل، وأنها باقية ما بقيت الدنيا.
معتزلة العصر الحديث
اعتقد الكثيرون أن الفكر المعتزلي قد قضى عليه أهل السنة والجماعة؛ حتى ثبت خطأ هذا الظن، وظهر أن الفكر المعتزلي حيٌ، تتبناه فرق عديدة تختلف تسمياتها، ويتبناه كثرة من الحداثيين الذين يقدمون العقل على النقل حاكماً على نصوص الشريعة، وتأكد أن الاعتزال قائم مبثوث في العقائد والأفكار رغم ذهاب حدته، لتعرضه للنقد والهجوم الشرس المتواصل من أهل السنة والجماعة، لمخالفة ومباينة منهج المعتزلة لمنهج الحنابلة.
ظهرت محاولات متعددة تنادي بمدرسة فكرية عقلية إسلامية حديثة، تحل بديلاً للمدرسة التقليدية، وتواكب حركة التاريخ والمستجدات المعرفية دون انحراف، وإحياء فكر المعتزلة لمواجهة تردي الفكر الإسلامي، وإحياءه على أسس عقلانية ومعرفية معاصرة، تُحرر الدين من سيطرة الفقهاء المتزمتين المتجمدين الذين راكموا مفاهيماً سلبية منذ عصور التخلف، بديلاً للتفكر والتحديث، فجمدوا العقول، واتهموا المجددين بالتأثر بالفكر الغربي، وإلحاق الحضارة الإسلامية بالحضارة الغربية، ومن أبرز المفكرين المجددين في هذا الإطار محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد.